محمد بن جرير الطبري

154

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

فرجمت حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا ذكر لنا أن هذا كان في قتيل من بني قريظة قتلته النضير ، فكانت النضير إذا قتلت من بني قريظة لم يقيدوهم ، إنما يعطونهم الدية لفضلهم عليهم ، وكانت قريظة إذا قتلت من النضير قتيلا لم يرضوا إلا بالقود لفضلهم عليهم في أنفسهم تعززا . فقدم نبي الله صلى الله عليه وسلم المدينة على هيئة فعلهم هذا ، فأرادوا أن يرفعوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لهم رجل من المنافقين : إن قتيلكم هذا قتيل عمد ، متى ما ترفعوه إلى محمد صلى الله عليه وسلم أخشى عليكم القود ، فإن قبل منكم الدية فخذوه ، وإلا فكونوا منه على حذر حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يقول يحرف هؤلاء الذين لم يأتوك الكلم عن مواضعه ، لا يضعونه على ما أنزله الله . قال : وهؤلاء كلهم يهود ، بعضهم من بعض حدثنا هناد ، قال : ثنا أبو معاوية وعبيدة بن حميد ، عن الأعمش ، عن عبد الله بن مرة ، عن البراء بن عازب : يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا يقولون : ائتوا محمدا ، فإن أفتاكم بالتحميم والجلد فخذوه ، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وهذا تسلية من الله تعالى ذكره نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم من حزنه على مسارعة الذين قص قصتهم من اليهود والمنافقين في هذه الآية ، يقول له تعالى ذكره : لا يحزنك تسرعهم إلى جحود نبوتك ، فإني قد حتمت عليهم أنهم لا يتوبون من ضلالتهم ، ولا يرجعون عن كفرهم للسابق من غضبي عليهم ، وغير نافعهم حزنك على ما ترى من تسرعهم إلى ما جعلته سبيلا لهلاكهم واستحقاقهم وعيدي . ومعنى الفتنة في هذا الموضع : الضلالة عن قصد السبيل . يقول تعالى ذكره : ومن يرد الله يا محمد مرجعه بضلالته عن سبيل الهدى ، فلن تملك له من الله استنقاذا مما أراد الله به من الحيرة والضلالة ، فلا تشعر نفسك بالحزن على ما فاتك من اهتدائه للحق . كما : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدى : وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً القول في تأويل قوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ، من اليهود الذين وصفت لك صفتهم ، وإن مسارعتهم إلى [ ذلك أن الله قد أراد فتنتهم وطبع على قلوبهم ، ولا يهتدون أبدا . أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ يقول : هؤلاء الذين لم يرد الله أن يطهر من دنس الكفر ووسخ الشرك قلوبهم بطهارة الإسلام ونظافة الإيمان فيتوبوا ، بل أراد بهم الخزي في الدنيا وذلك الذل والهوان ، وفي الآخرة عذاب جهنم خالدين فيها أبدا . وبنحو الذي قلنا في معنى الخزي روي القول عن عكرمة . حدثني الحرث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا سفيان ، عن علي بن الأرقم وغيره ، عن عكرمة : أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ قال : مدينة في الروم تفتح فيسبون القول في تأويل قوله تعالى : سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ الرشوة يقول تعالى ذكره : هؤلاء اليهود الذين وصفت لك يا محمد صفتهم ، سماعون لقيل الباطل والكذب ، ومن قيل بعضهم لبعض : محمد كاذب ، ليس بنبي ، وقيل بعضهم : إن حكم الزاني المحصن في التوراة الجلد والتحميم ، وغير ذلك من الأباطيل والإفك ، ويقبلون الرشا ، فيأكلونها على كذبهم على الله وفريتهم عليه . كما : حدثني المثني ، قال : ثنا مسلم بن إبراهيم ، قال : ثنا أبو عقيل ، قال : سمعت الحسن يقول في قوله : سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ الرشوة قال : تلك الحكام سمعوا كذبة ، وأكلوا رشوة حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : سَمَّاعُونَ